يوجد 332 زائر حالياً
أهلا بكم

سياسيه

يوتيوب فيديو

مجزرة الكورد الايزديين من قبل داعش بعد تركهم من قبل البيشمركة
khantry design
الثلاثاء, 28 آب/أغسطس 2012 15:51

أحلام زرقاء - نارين عباس

تقييم المادة
(2 التقييمات)

 
 
 
عندما تحملك الألوان معها, وتتحول كلها إلى لون أزرق ..فلاشك أنه ذلك البحر الكبير الذي يجبرك أن تتمعن فيه ..
 
كل شيء من حولي أزرق ..السماء ..التلفون.. عدساتي اللاصقة الجديدة...البلوزة الزرقاء ..أم  قارورة المسكرة التي تجعل رموشي زرقاء ..
 أرتشف فنجان قهوتي,بين الحين والآخر, والنورس الذي يحوم في مطبخي .. قدامتزج بهذا اللون ..
 
مازلت اعشق هذا اللون ...وها أنا أضع أشياء كثيرة اشتريتها من هنا وهناك وجمعتها في  زوايا منزلي الذي أصبح بحرا  أكثر من أي شيء آخر....
 
 
سجادتي التي ابتعتها مؤخرا هي الأخرى كانت من المفترض أن تكون من مشتقات هذا اللون الذي يرغمني على الغموض ..فيروزيا, ابتعته من صاحبه التركي الذي أصر على كرهه لشعوب المنطقة...وهو يصك على أسنانه بشدة حتى ألقيت عليه نظرة شرسة وجعلته أن يأتي بالسجادة بسيارته إلى منزلي بدون مقابل... كتعويض عن حقده العنصري لي بدون أن يعرف إلى أي شعوب انتمي..؟
 
لون سماء برلين يتحول أحيانا إلى زرقة صافية..فتظن انك أجمل مخلوقاتها التي تضمك.. وسرعان ما تتحول إلى رمادية حتى في أيام الصيف المجنونة كعادتها   بجوها المتقلب ..
 
 مرارا أرغمني الشوق أن أسبح في عيني ذلك الرجل التي تحمل لون البحار, تلك العيون التي عشقتها, وأغتسلت داخلهما  مرارا ..ومرارا عدت إلى شواطئ الوحدة  عارية من احلامي ....في ذلك المطعم الصغير الذي كنت اتردد اليه  في بكاء السقوف..
 
 
 
في طفولتي اعتقدت أن الماء الذي نشربه ..  ازرق  اللون ..كنت مصرة على كذبتي هذه .. حتى أكتشفت  مؤخرا  في إحدى الصفوف الابتدائية أنها اكبر كذبة كذبتها على ذاتي .. وكانت صدمتي الأولى بدأت حين سألتنا المعلمة عن لون الماء, كنا نحن التلاميذ جميعا مصرين انه اللون  الأزرق .......ولماذا فجأة تحول إلى شئ لا لون له..تستطيع من خلاله آن تراقب مسافات ابعد من خيالاتك التي لا تحمل حدودا لشهواتك المحجوزة في داخلك .. ؟؟!!
 
 
شيء ما يتجول في خاطري, وأنا بحر كبير هائج كأمواجها  التي تتكسر على صخور شواطئها فتحدث ضجيجا.. علي في كل مرة أن أبحر وحيدة في بحور عديدة .. عندما أقرر السفر إلى اللامكان ..
وأحيانا لا أعرف أن أعود من كل هذه المسافات البعيدة  التي أطلق فيها العنان لروحي أثناء الرحيل..وأتقلص داخل قوقعتي  وأغمض عيناي في مدينتي  وتحت لحاف كردي  مزركش بألوان كثيفة ودافئة  ..
 
اريد أن ارسي في مكان ما في هذا العالم ..واصل الى دهاليز تلك الأشياء الخفية التي أعشقها ..
 
عشقي إلى تلك الأشياء تجعلني أن أستمر ..أستمر ..وأبحر, وأطير ,وافعل المستحيل لأتلذذ بأشياء صغيرة احصل عليها في محض ..لا عندما أبحث عنها ..هي أشياء لا تشبه كل الأشياء ..أشياء قد تكون غير ملموسة لكنني اشعر بدفئها.. بحنانها ..ولهيبها أحيانا...بتدفقها وشرارتها..بلوعتها ..وشظاياها ..
 
 
ربما أريد أن ابتعد عن رجل الضباب ..هذا الرجل الذي يدمرني بكبريائه المزيف, ويمتص دمي عندما يتحول إلى نحل صغير يحوم حولي ..
 
ودعت صديقتي اللؤلؤة السمراء ..ورسمت في عينيها اللتين تلمعان كسحابة مطر غاضبة  في شتاءات مدينتي السمراء ...ودعتها وأنا ارسم فيهما  أملا جديدا لحياة جديدة قادمة باتجاهنا..أمل يحملنا معه عبر الصدفة بتوقيت غير مسبق إلى عالمنا الأزرق..
 
كنت أواسيها بان تكون قوية  كالأعاصير وطرية كأغصان الربيع التي  تتجدد في نوروز ...ونسيت ذاتي في تلك اللحظة بأنني أنا الأخرى أسبح في مستنقع تفوح منه رائحة الرجولة ..لكن المرء كائن غريب بحد ذاته ..دائما نجد أخطاء غيرنا ونتجاهل أخطائنا نحن..!!
 
الرجل الشرقي أيضا من الكائنات الغريبة ..تعامله مع نساء الشرق لا يشبه ذاته عندما يرافق نساء الغرب ,وهذا التناقض و الإزدواجية في حياته تحيرني باستمرار كما أشياء كثيرة تحيرني..
 
أتساءل في نفسي ..لماذا يتحول الرجل الشرقي إلى ممثل بين ليلة وضحاها ..ألا يمل من تمثيله لدور غير شخصيته الرئيسية أم هي ذاتها؟؟
نفس الأشياء تتكرر من حولي ..عندما يأتي الصباح ويسقط فجأة على الشرق ...يحاول كل واحد أن يلبس قناعا جديدا من أقنعة كثيرة معلقة فوق سريره قناع للغباء ..قناع للكذب ..قناع للحرية ..
قناع للحب قناع للشعر ..قناع للزواج .......قناع للطلاق..... أقنعة بدون نهاية ....
 
 
 قناع يمثل فيه دور الباشا والأغا المتسلط, ويترك العنان لشواربه الممزوجة برائحة اللحم المشوي ..ثم يغادر هذا العالم ليتحول إلى ممثل محترف فيمشي مع المرأة الغربية معلقا بأكتافها
أو يدعها تتبختر أمامه وهو يسير ورائها مكتفيا النظر إلى مؤخرتها الرياضية ..ويقص شواربه ويتحول إلى رجل نباتي ...يدغدغ أحلامه بكأس من النبيذ الأحمر
 
رجل الضباب هذا الرجل الذي يصب غضبه في جسدي, وأنا التي أبحث عن أحلام أتعلق بها ,فأسقط كل مرة وأنا انزف عرقا ...
 
 
 
 
من قال أن الوطن امرأة ؟؟
 
الوطن رجل مثل أبي يمسك يداي الصغيرتين ويقذفني في الهواء....بدون أن اشعر بالسقوط في الهاوية .. التقط نجوم الفرح واجمعها في فستاني الأزرق..
الوطن رجل أضع راسي على صدره  وأنام بدون كوابيس موحشة ...
البحث عن وطن هو ذاته البحث عن رجل .....رجل يوقظ في الأنثى كي أبقى امرأة......
 
 
 لكن رجل الضباب هو واحد من بين ملايين الرجال الذين قذفتهم بلدانهم إلى المجهول ..قادمون من ساعات الفراغ المقفرة .. ..الفراغ ينهش بأجسادهم التي تبحث عن الحب  وهم ينهشون في أجسادنا العارية ..
يأتون إلى أوربا محملين بآلاف الأوجاع والآهات وتفاجئهم حياة أخرى غير منتظرة..
مختلفة تماما عن واقعهم وعن تصوراتهم التي خططوا لها ..وتفاجئهم صراعات أخرى غير ملوثة بالغبار لكنها لا تقل صعوبة عن الماضي الراسخ في الذكرى والذاكرة..
 
يأتي رجل الضباب إلى أوروبا قادما من شرق السبايا والتكايا, يحمل معه ملف الشرف, ويتفاخر بفحولته من اجل الشرف ولا يعلم أن الشرف يكمن في شرف الوطن قبل أن يكون بين أفخاذ المرأة الشرقية..ويحاول أن يعلم المرأة معنى الشرف لكنه لم يترك أي امرأة قابلته وهو في طريقة إلى أوروبا إلا وقضى معها ليال الأنس  ..ثم يعطي دروس فلسفة شرقية متحجرة لأنثى بلاده ... وهو في الجهة الأخرى  من  عالمه حينما يلبس قناعة النباتي الجديد .. يعد النساء اللواتي سقطن من أحلامهن على سريره ..يتفاخر بفحولته الوحيدة التي قد لا يتقنها أيضا.
 
كم عذبني شعوري  وأفزعني  وغرس في داخلي ذلك الألم وأنا أراقب  في  متروهات برلين وحافلات النقل العامة  شبابنا في ريعان العمر وهم يتقاسمون شوارع برلين ومقاهيها مع نساء تكون في أعمار  أمهاتهم وجداتهم   من اجل قطعة ورق صغيرة الحجم  فيها تاريخ ميلاده وقد يكون اسمه الحقيقي أو لا  أو تاريخ ميلاده الحقيقي أو لا .....وفيها يستطيع أن يكون مواطنا أوروبيا..بعد أن دفع شبابه ثمنا له ودخل في متاهات جديدة ..
 كم مرة تقابلت نظراتي مع نظراتهم ومن عيونهم الشرقية عرفتهم وعرفوني وتبادلنا مسافات كبيرة من ذلك الألم الذي يوحدنا ..فقط نحن الغرباء نعرف تعاستنا في وجوه بعضنا البعض ...فقط نحن نلمم ذكرياتنا لنقذفها  في سماء برلين التي تجمعنا   ..فقط نحن نعلم ما معنى أن نبقى على صلة بتراب الوطن المجهول.. مهما زودونا بجرعات كثيفة متكررة  من الألم عبر أسلاك الهاتف والانترنيت ........................... .. فقط نحن!!
 
 
 
أنا في طريقي إلى مدينتي التي تركتني قبل أن  اتركها .. كي اشق أيامي في مدينة أخرى ..إلى مدينتي النائمة متجهة بجسدي .....
 
منذ قرون احتاج إلى رحلة كهذه مع أنني اعلم انه لا يوجد من يستقبلني ويستقبل التغير الذي طرأ علي خلال إقامتي في برلين ..فأشعر بغبطة عظيمة..
 
حاولت كثيرا إن أكون هناك منذ قرون وكلما حاولت وجدت محفظتي لا تغطي تكاليف أحلامي إلى هناك ..وكلما أقنعت أهلي أنني لا استطيع .. أن آتي بهذه السرعة..؟
يستغربون كثيرا من كلامي, ويزيدونني جرعات من الألم المركز  كإبر الكورتيزون فانتفخ من الألم ...
 
كيف لي  أن أشرح لهم بأنني بسبب التكاليف لن استطيع أن أغادر هنا ..والأبشع من هذا كله حينما تسقط الجملة على جسدي دفعة واحدة ...كهذه مثلا .. إذا ما في عندك مصاري نحن بنبعتليك !!!
ابتسم لحظتها ...ثم اضحك بعمق ممزوج بألم كثيف يشق خلايا قلبي ..الذي لم يتعلم دروسه بعد.. كم مرة كان هذا القلب تلميذا كسولا يرسب في صفه وفي ذات المواد ..
 
سنين طويلة مرت في لحظات قد تكون في مخيلتي اقصر من المسافات التي بيننا, والتي اختصرها بسرعة هذه الطائرة التي  تنقلني من عالم إلى أخر........
 
أضغط على أنامل رجل الضباب ...أشدها إلي ..هذه الأنامل التي لم تعرف حتى الآن أين يكمن الجرح الأساسي في جسدي.. ؟؟  اجلس إلى جواره داخل هذا المترو الذي سوف يوصلني إلى المطار ..
عيناه تراقب من يراقبني بنظرات نرجسية ..أراه يتحول إلى غيمة غاضبة تمطر علي مطرا اسود اللون .....
وتحول ملابسي إلى عباءات سوداء  تلتفت حولي بشراسة...يخنقني هذا الحب..ينحت في جسدي أشواكا بعد اقتلاع أزهارها..
 
وجوه كثيرة من حولي  جالسة في ذات المترو ..الألمان يجلسون بكل هدوء إن سنحت لهم الفرصة ..إما يبتسمون في وجهك كتعبير عن إعجاب منهم لك ..أو لا يتحركون ساكنين بدون  أن تشعر أنهم  موجودون ..أو لا ينظرون  ويتابعون قراءة الجرائد بشغف أو كتاب جديد ..يعطون للوقت أهمية كبيرة
بينما عيون الأجانب الداكنة تبحث من حولها عن فريسة جديدة يتأملونها للهرب من ملل الانتظار في المترو.. أو يقومون بحركات بهلوانية كتغير للحالة كل دقيقتين ونصف.. يحركون شفاههم أو أحد حواجبهم كتعبير عن غضب يمشي بساق واحدة  بدون أن تعرف الأسباب .. ؟؟!!
وهلم فسر وابحث في كتب علم النفس والاجتماع عن تلك الألغاز الكاتمة الصوت ........

إنها العيون الشرقية التي لا تكف عن مراقبة بعضها البعض والتأمل ليس بمقصد الروحانيات على طريقة اليوغا وغيرها ..بل هي  تأملات في الفراغ  والبحث عن فريسة أنثى يتغزلون بها, أو فريسة ذكر يخرجون بها غضبهم بلكمتين على الهواء مباشرة ..
 
 
ودعته وعيناي مليئتان بالدموع الصغيرة التي لا تود أن تتساقط  ..حتى بدت صورته غير واضحة أمامي
ا
اضغط على شفتاي كثرا ..اشعر بالقلق والارتباك ..وكأنني سوف انقسم إلى قطعتين ..قطعة تشدني الى هنا ,وقطعة مازالت جذورها محاصرة هناك  ..
 
 
أمام عاملة المطار التي تأخذ حقائبي انتظر ..حتى جاء دوري ..هنا انتظر مثلهم,  الأهم لا احد يأخذ دور الأخر, وابن فلان وعلان مصطلحات لاوجود لها هنا ..في أوربا..بينما في أوطاننا ابن فلان وعلان ..أهم من مقدمة ابن خلدون.
 
 
الكل له قيمة كفرد يحمل اسما واو رقما ..إنها الحياة الرقمية التي تجعل من النظام أن يستمر ..في حلقة حلزونية توفر للجميع الاحترام والتقدير ..كل واحد يقدر الأخر وكل واحد يعمل من اجل بناء الدولة بعيدا عن الحسد والفساد والدلع الزائد..

 
احمل حقائب عدة ممتلئة  بالأغراض والهدايا ..لم استطع أن اخذ ما أريده من أشيائي الشخصية لان الهدايا كانت كثيرة .. كان لابد أن ادفع ثمن عشرة كيلوغرامات زائدة أضفتها إلى الحقائب ..
 
تلك الهدايا التي أخذت من وقتي الكثير والكثير من ساعات العمل الشاق وأنا اعمل من الصباح الباكر حتى بعد الظهر واقف على قدماي أبيع الهمبرغر والكولا في البورغر كينغ ...بالإضافة إلى ساعات في المترو اذهب فيها إلى مكان العمل وأعود إلى منزلي الأزرق ...
إنها ساعات كثيرة بالمقارنة بالجلوس مثل نساء شرقيات كثيرات يقضينها في تسريحات الشعر والماكياج وتقشير البزور ورميها على الرصيف ..إنها تلك الساعات التي تسرق مني أنوثتي الكثير ..فانا لا اجلس ولا امتلك الوقت حتى اعد لنفسي وجبة شهية ..
 
أتناول الفاس فود هنا وهناك أو في مكان عملي ..كي ادخر لأحبتي هناك واجعلهم سعداء ويهدونني التعاسة كتقدير لي ..ملفوفة في اكبر قطعة كرتون صنعت خصيصا لي ..  كم مرة ابتعت الطعام ووضعته في كيس من النايلون  وزحف معي  الشوارع  معلقا بين أناملي يتيما وحيدا ..ثم قذفته في  سلة المهملات ...
 
ابتاع هذه الهدايا هنا وهناك واذهب للبحث عن تخفيضات تناسب محفظتي ..حتى أعود إلى مدينتي على أكمل وجه لأنهم أعطوني صورة يشبه مارد يخرج من فانوس مسح عليه الغبار بصدفة لعينة ..يا لينني بقيت داخله ولم اخرج, فذلك الظلام أهون من  تلك الشمس التي تعميني في وضح النهار .....تلك الهدايا هي  صلة الرحم الوحيدة التي تجعلني اثبت محبتي لهم  حسب ما يشعرونني
 به عبر أسلاك الهاتف  هي حبل السرة الذي قطع عند أول صرخة لي وأنا ابحث عن أبي ......
 
 
 
 
الأيام التي باعدت بيننا صارت كثيرة .. هم تغيروا وإنا تغيرت كثيرا وهذه الأيام الملعونة التي تسابق الريح هي السبب في هذه الحدود التي رسمت بيننا ..هم يبحثون عن أشياء ملموسة ..يشعرون بغرابة الأشياء التي جلبتها معي وأنا ابحث عن غبار كان يطوقني في طفولتي ويخنق أنفاسي في زياراتي إلى قريتي النائمة هناك وراء ذلك الأفق الممزوج بألوان قرمزية ..
هم يبحثون عن رائحة أوربا ليشفون غليل نقص الأشياء التي يبتاعونها ..وأنا ابحث عن عشقي ..عن مسبحة أبي ..عن سجادات أمي التي نسجتها ..عن الشمس في عيون أطفالنا الذين كبروا بدون أن أعيش معهم لحظات من بكائهم وضحكاتهم ..أنا ابحث عن أوراق الرسائل التي كتبت فيها كل أحلامي وعشقي الأعرج ..في حارات القامشلي ..
 
هناك في الجهة الأخرى من هذه المدينة حيث وضعت قلبي هناك ودفنته تحت التراب ..هل يعقل أن نقوم بجنازة من اجل القلب فقط ..ندفنه وتعود الأجساد تمشي على هذه البسيطة من جديد ..؟؟
هل يعقل أن عود وأخطو خطوات كالتي كنت أخطوها في أزقة القامشلي ؟؟
 
أشياء كثيرة ترغمني أن لا اذهب إلى مدينتي من جديد ..وأشياء أخرى تجعلني أن أقوم بمغامرة جديدة وأعود منهكة القوى إلى برلين ..انه كالحلم الذي يركض بدون توقف ..تصعد الجبال وتسبح وتستيقظ وأنت تعوم في حمام من العرق المركز..
 
هذه الهدايا اللعينة التي  بسببها تطول السنين بيننا ..ففي الكثير من الأحيان  لا تذهب إلى هناك لأنها تكلفك الكثير من الشقاء ..لكن الشقاء يزول بمجرد أن يشكر الأخر على الهدية ..ولكن إن كان الرد ابتسامة ساخرة لهدية صغيرة قدمت لهم أو وضعوها في مكان غير مناسب ..تشبه ابتسامة ثعلب  ماكر !! ..إذا أنت في وطنك ..وطن الثعالب ....!!
يحملونك   ذنوب لم ترتكبها ,وتعد من الجرائم التي تلاحق دوليا  وهي جريمة أن تزور الوطن...تستغرب تكره ذاتك وتبصق في صورتك أمام المرأة ألاف المرات على هذه الرحلة المشعوذة ..

 
سنين طويلة مرت في لحظات قد تكون في مخيلتي اقصر من المسافات التي بيننا والتي اختصرها بسرعة هذه الطائرة التي  تنقلني من عالم إلى أخر........
 
 
 
في مطار تيغل في برلين ..أغمضت عيناي على صدره وأنا أضمه إلي بكل قوتي التي أخبئها من اجل لحظات كهذه ..في داخلي كلام كثير أود أن أفصح عنه ..ليته يفهمني بالقدر الذي أفهمه
ليته يفهم هذا الحب الذي ولد من جديد داخل أحشائي ..ألا يرى أطرافي المعششة ..؟؟ ألا يرى أثار أقدامه في صحراء عيناي .....
 
اخترته حبا بشبه التورناندو في شكله الداخلي  .. في وقت كان العنف يترصدني  ..ويشير إلي بوقاحة جاهل أحمق ..يخطو ورائي خطوات فيها الخوف كلما نظرت إليه ..ألا يعرف أنني لست خائنة؟؟!!
مهما كانت المسافات بعيدة بيننا يبقى الحب هذا الشعور الذي يربطنا ببعضنا البعض كالكهرباء اسمى من عيون ألف رجل يرمقني بنظرات نرجسية ...فعندما تقابلنا كانت الكهرباء هي التي أنارت أسلاكنا الشبه منطفئة ..لتنيرني من جديد ..وها هو يعيد إطفائها ..
 
رجل الضباب هذا دخل عالمي ..بل أنا التي أدخلته إلى عالمي  قلت له ادخل إن كنت جريئا؟؟ ..كان يجب أن ادخله كي أغير أشياء كثيرة في داخلي ومن حولي ..ربما العالم أراد أن أكون هكذا ..
 
كان لابد أن اكسر كل الأسلاك من حولي وأغير حركة دوران الأرض من جديد ..
 
رجل الضباب صارم بمظهره الخارجي, لكنه ضعيف ضعيف جدا عندما أتحداه , وأكون أنثى حقيقية ومتمردة تعرف ما تريد  .. أتحداه بثقافتي ومبادئي ..وطلتي الغريبة عنه ..انه جبان ومتحطم داخليا ..ويبحث عن امرأة
تحيطه بأسوار الأنوثة الشرقية فقط ..وتبلله بأشواق معطرة تأتي مع نسائم الشمال لتتكسر على وجنتيه ..
ربما اكرهه أكثر مما أحبه ..وأحيانا اسأل نفسي هل المرأة المتمردة تعشق رجال متمردين ليسجنوها داخل أسوارهم الرجولية ..هل تعشق الرجل الذي يقول لها لا ..؟؟!!

رجل الضباب كان نكتة في تاريخي .....نكتة أبكتني كثيرا ...
 
 
 
 
 بضعة ساعات كالحلم أتأرجح..
 
 
كلما اقتربت الطائرة من سماء دمشق شعرت بدقات قلبي المتسرعة ..صارت كل الأحداث تتساقط على مخيلتي بسرعة جارفة..
 
في مطار دمشق الدولي لم يكن ينتظرني احد سوى شقيقي الذي جاء خصيصا ليستقبلني ,وكم مرة ألقى كلماته القاسية ليفردها على وجهي المنتظر  ويسبب لي تعاسة اللقاء من جديد
يقول بأنه ترك كل أعماله وكلفته الرحلة كثيرا ..خيبة الأمل تطاردني  مع العلم انه عبر أسلاك الهاتف يتوسل أن ابعث له اليورو لان البطالة تنهش في خلاياه ..ترك وجهي يتساقط تحت اقدامه وسار هو يحمل الحقائب بشغف وفرحة مكتومة  في داخله لاتود أن يعطيني نصفها ..
 
الوجوه الحزينة  في المطار من حولي تنتظر القادمين .. وجوه هزيلة لفحتها الشمس و ضغوطات الحياة ..اشعر بالحزن أكثر من الفرح ..
حتى أمي لا تنتظرني ذهبت بدون أن أودعها وتودعني ..وأبي ينتظرني في القامشلي ..مع مسبحته التي ترافقه وترافق تمتماته التي لا يشبع من تكرارها وهو يطرق رأسه إلى الأرض تارة لخشية الله وتارة يرفعها الى السماء ليزيد من طلباته بعد أن تغير تجاعيد وجهه العميقة ...
 

ساعات قليلة ,ويأخذنا الباص  من العاصمة الفيحاء إلى ربوع الجزيرة الخضراء ..لكن الربيع لم يكن موجودا هنا ..لم يستقبلني كعادته في طفولتي المتدحرجة على تلال قريتنا التي كنت اتردد اليها في العطل المدرسية ..
 
 
 
 دجلة تور ..الكل من حولي يتكلم لغة أمي .. وشعور غريب ينتابني ..

اجلس بالقرب من النافذة التي تطل على العالم الخارجي .مع أنني انتمي إلى هنا والى هذا الشرق لكن عيوني لم ترى منذ زمن بعيد كل هذا الغبار والأراضي الجافة .
 
 يراودني الملل وهذه الطرق الطويلة ..وعلى أنغام محمد شيخو سار بنا الباص, وتسير معه خلايا جسدي ..
لماذا يستقبلني محمد شيخو بأغانيه الشجية ويزيد علي أطنان الوجع...؟؟
 
في الطريق استسلمت إلى النوم ,ولم افتح عيناي الا وأنا بالقرب من عامودا و مازال هو يغني بشجن مؤلم ...فالحزن في أغانينا وألحاننا وكتاباتنا ووجوهنا
في أحاديثنا وضحكاتنا التي تنتهي بالبكاء ..حتى النكت تجدها مضحكة ومبكية في أن واحد ..
 
عامودا هذه المدينة التي تمنيت أن أراها مرارا في طفولتي بكيت كثيرا على أمي على أمل أن تأخذني معها في رحلاتها إلى هناك ..
وكعادتها الفت لي حكاية مرعبة في دقائق معدودة في طبقها الجديد ..وها أنا أتناوله ملعقة ..ملعقة واهدأ على سحر صوتها وأصدقها أكثر من الله ..
 
لم تكن أمي تتردد إلى عامودا إلا بنية صنع حجاب لإحدى النساء التي أغلقت  في وجوههن أبواب القدر..أبواب ذلك القدر المصنوع من أياديهن في اغلب الأحيان ..
 
كإصابتهن بعقم ..أو نية الزوج بزوجة ثانية ...ولم تكن أمي تستطيع أن تصمد وتقف عند نقطة القدر وتبكي على أقدارهن ..
تفعل المستحيل وتجد 100 مخرج ومخرج ..لكل مشكلة تواجها وتواجه النساء التي تعرفهن..
 ظننت في طفولتي أنها مدينة كبيرة وأنا  أقف بجسدي الصغير أمام عامود  عملاق يتوسط هذه المدينة وأتأمله على طريقتي الخاصة..
 

أنا منهمكة في أحلامي التي تسير في جمجمتي ..تحدثت كثيرا مع ذاتي وهمست الكثير وها أنا متعبة مع دردشتي المفضلة ..بدون أن انطق أي حرف  عما يدور في خلدي ..
 
 
 
 لم أكن اعرف عامودا إلا من خلال دموع أمي التي كانت تذرفها بقوة ..كسيل جارف وهي منهمكة في تمتمة أغانيها التي أبدعت في إنشائها  ووضع كلمات لها كي تمتزج بذلك الحلم الأزرق ..ذلك الغموض وتلك المتاهات كلمات شجية تخرج من حنجرتها الملتهبة بدخان يتصاعد إلى السماء ... كانت تجيد فن رواية القصص  وهاهي تجيد فن مواويل  تنجب أطفال عامودا من جديد من تلك النيران التي التهمتهم..
عن هذه الحادثة المؤلمة التي أجهشت كثيرا على أنغامها .. في زوايا البيت عندما تدهش أمي وهي تضع الإبرة  الطويلة ..Sujin  بعنفوان داخل الألحفة وترقع ملابسنا القديمة خشية أن تذهب الخيوط  هدرا كحياتها كما تقول وتردد  في ساعات افتقادها إلى أشياء لا تعرف لها أسماء ..أمام مدفئة غرفة منزلنا ..
 
لم تخلف تلك الدموع المنهمرة على فستان أمي سوى الحزن واللهفة والعنفوان ..وكذلك خلف لي تلك القوة المختبئة للحظات اشعر بان الموت يمسكني من أذرعي ليلقني إلى مكان موحش لا وجود للأرواح هناك .. .اخطف جسدي إلى إحدى زوايا الغرفة التي تتمتم فيها أمي بدون أن تشعر بوجودي
واذرف دموعا مثلها تماما  وانتهي  معها ..عندما تنتهي من سرد مآسيها الممزوجة برائحة عامودا  والنار والدخان..
 
أمي علمتني الجرح  من الرحم وعلمتني أحرف التاريخ قبل أن ادخل التاريخ..
أطعمتني التاريخ  بجرعات سريعة التدفق ..في طقوس بكائها عندما تكون منهمكة في أشيائها وهواياتها الكثيرة من التطريز والترقيع وصنع الخيوط وتلوينها من ملابسنا القديمة لصنع السجادات التي ملئت بها منزلنا المتواضع
 كم كانت تشتهي الألوان وتنسج في مخيلتها سجادتها القادمة لتمعن فيها ساعات وليال.. هواياتها التي تستمتع بها أو عندما تحن إلى طفولتها وأشيائها الخاصة التي كنت اجهلها في ذلك الوقت ..
الآن أتمتم مثلها  عندما اسقط داخل اللون الأزرق ..عندما يشعرني الوقت بذاتي ..الغوص في ذكرياتي ..واذرف دموعا كأمي على تاريخ عقيم ..لم يلد لي أي قطعة صغيرة تؤويني ..وكم مرة أقسمت أن لا أكون مثلها ..وبالرغم مني أكون قطعة منها وافعل ما كنت أنا اكرهه في ذلك الوقت..بدون أن اشعر بذلك ..
 
 
 
 
إذا هذه هي مدينتي النائمة  وسط هذا العالم الكبير ..هذه هي المدينة التي تقذف بأبنائها خارج رحمها ..وتطل علي من خلال زجاج النافذة ...
 
يمر بي الباص في شوارع وأزقة كثيرة ..شارع المطار ..شارع الكورنيش ..حي الغربي ..قدوربك ...هليليه ..اشورية ...
مخلوقات كثيرة تتحرك داخل هذه المدينة المنسية ..
 
في القامشلي ومنذ سنين كثيرة كانت النسوة تنتظر أمي كي تضع مولودها ..بعد 7 سنين من الانتظار .. أنا طفلة جديدة  ملطخة بدماء أمي ..يسيرون بي .. إلى عالم جديد ..
اشهق شهقتي الأولى ولا أتردد من تكرارها.. الصراخ والألم والتحدي من اجل البقاء ..
ربما أمي  سعيدة لتخلصها من ألامها المبرحة وربما سعادتها لم تكتمل عندما فاجأتها بأنوثتي الغير متوقعة ..
كنت سمراء في أول طلتي على الحياة.. كما يقال لي,و أتحول إلى لون أزرق عندما اصرخ للبقاء ..
يقذفونني على صدر أمي فاهدأ وأنام  وأتابع جرعات التاريخ وأنا أمصه بلهفة شديدة..  ومع الأيام يتحول لون جسدي إلى لون سنابل تتموج مع نسائمها في أيام الصيف ..واكبر واكبر لأجد نفسي ... امرأة بلا حدود..
وأبحث عن أبي من جديد..
 
 
 
اقترب من باب منزلنا الذي هجرته ..منذ سنين ..سنين طويلة .. منزلنا الذي  يقبع في مدينة السنابل ..
في هذا الحي اجتمعت الأديان  بدون أن اعرف حدود تمنعني من أن ابتسم في وجه جارتنا الأشورية ..ورفيقاتي الارمنيات والسريان ..كنا نشبه بعضنا في كل شيء. .ضحكة الطفولة ..مشاجراتنا العفوية على أسباب صغيرة ..وشد الشعر بين الحين والأخر لأسباب اصغر من الأولى .. كل ما كان يفرقنا كان يوم الجمعة الذي نبقى في البيت مضطرين أن ننتظر الله أن يفرج لنا لشراء لعبة التهب قلبي عليها وأنا انظر إليها من خلال الزجاج في سوق المسيحية في القامشلي ..ومازلت انتظر ..إما صديقاتي يذهبن يوم الأحد ..لمتابعة الحياة والابتسامة لا تفارق وجوهنا عكس وجوهنا الحزينة في كل يوم جمعة !!
 هاجرت  صديقاتي  وتركن لي يوم الأحد حزينا كئيبا  بشبه يوم الجمعة ...

وكيف لي ان انسى ضحكة هلينا ذات القامة الممشوقة والعيون الهادئة ..كل شباب الحي كانوا يتصدون لها بعيونهم ..وهي لا تجيد إلا الابتسامة المخملية كأميرة الأحلام ..
 
 يالقرب من منزلنا في الشارع الأخر .. مازلت أتذكر بيت صديقتي سيلفيا الارمنية ذات العيون الخضراء بلون ممزوج مع الأزرق ..وجسمها المليء باللحم
كانت شقية جدا لدرجة أنني في داخلي وفي أيام المدرسة كنت أخاف منها ومن جسدها الكبير ..كثير من  الأطفال كانوا يهابونها وعندما تأتي لتخيفيني لم أكن اظهر لها ذلك
 أبدا وأبادلها نفس القوة ..لم أكن اعرف من أين كنت أتي  بها ..
اضحك ألان ..اضحك كثيرا  على تفاصيل كثيرة في حياتي مرت بي بلحظات جدا لذيذة..
 
في ذلك اليوم كنت مع بنات جارتنا من نفس عمري ..كنت أود أن أغامر مرة أخرى بطفولتي  الصغيرة واستمتع عندما يكون الآخرين
في صراع في هذه الحياة من اجل البقاء
لأنني أردت دائما أن تكون ذاكرتي مليئة بأطياف الأزرق بدلا من الأبيض ..الخالي من أي شيء يجعلك تتحرك ....حملت أحجارا صغيرة وبدأت اقذف إلى باب بيت صديقتي الارمنية المغلق ..الباب  الخشبي المهترئ , وفي أعلى الباب قطعتين من الزجاج باللون القاتم
لم أكن أود أن اكسر الزجاج لكن الحجارة خانتني وتكسر الزجاج . هرولت من الخوف ومن هذه الفضيحة وصاحب الباب يكون والد  سيلفيا الارمنية ..وهو جارنا ..في الزاوية الاخرى من شارعنا
هرولت بسرعة بدون أن أفكر بالأمر ..وهرولت معي بنات جارتنا وأصبح والد سليفيا مسرعا بدراجته التي كسرها  مرارا عندما  كان يتشاجر مع زوجته ..كان الحظ السيء سيد الموقف.
 
لا اعرف كم من الوقت مضى..وكم من الشوارع  اخترقتها في لحظات قصيرة ..
توقفت  فجأة  في احدى الشوارع  وليكن مايكون  توقفت استنشق أنفاسي المتبقية .. أقف هو  أيضا دراجته ..كنت خائفة لدرجة الموت ..لكنني توقفت انتظر النتيجة الحتمية لهذا الموقف اللعين ..توقف ليقول لي في أخر المطاف *..مو عيب عليكون ..*
كانت نظراتي خجولة كثيرا, كم كنت أود في لحظتها أن أتحول إلى حشرة صغيرة أطير في الفضاء ..
وعندما عدت إلى البيت كانت أمي تنتظرني في ساحة بيتنا الشرقي ..والنار تتدحرج مع أنفاسها العميقة ..شدتني من شعري الطويل الذي  كانت هي تهتم به ..شعري المدلل بين يدي أمي أكثر من روحي
التي تحتاج إلى مداعبة وحنين منها ..لكنها كانت تعشق شعري تجدله تمشطه وتصبغه بالحناء ..وتستمتع بخيوط شعري عندما تفرده هي ..كلما قررت ذلك .. تحت خيوط الشمس المشرقة في أيام الربيع ..وتراقب اللمعة المتوهجة من طلاء الحناء التي كانت تصبه فوق راسي كما يصب الباطون  لإنشاء مسكن ..
 
كم كنت اكره رائحة الحناء وهي تفوح مني في صفوف المدرسة ..كل أصدقائي كانوا يفردون شعرهم في أيام العطل المدرسية إلا أنا.. كان شعري شيء مقدسا عند والداي وخاصة أمي ..
وتزحف أنامل أمي داخل فروة رأسي..وتفتخر في إيجاد موديلات جديدة وتسريحات جديدة لشعري الطويل ..كانت تمنع كل شخص من أن  يلمس شعري ..لأنه سوف يتساقط..
لم أكن اصدق هذه الكلمات ولم تعني لي إلا القليل في ذلك الوقت ..ولكن في الحقيقة جاء ذلك اليوم الذي  لم تكن والدتي  في البيت كانت في إجازة  كعادتها في إحدى القرى ..كانت سفيرة
النوايا الحسنة تقضي أهم وأروع لحظاتها في ترتيب الأعراس وتقديم الهدايا  بمناسبات الزواج والمواليد الجديدة التي لا تنتهي ..
 
كيف اذهب الى المدرسة وشعري ثعبان أصارعه منذ ساعات ..

لكن روزا زوجة خالي سبقت عصافير الصباح  من قريتها القابعة وراء ذلك التل الذي تدحرجت عليه  في طفولتي مرارا ..وأنا أفكر في ما يمكن أن يكون تحت ترابه الراكدة في كل هذه السنوات الطويلة ..
اتجهت روزا  إلى منزلنا الاستراتيجي  كعادتها  لأنها نقطة استراحة وأحيانا نقاهة وأحيانا شؤون اجتماعية .. منزلنا الذي يوصل القامشلي بالقرى ....  تشبه مدينة استانبول التي  توصل الشرق بأوربا ..
 
شاهدتني روزا وأنا قد فقدت اعصابي الطرية, امسك بجدائلي ولا استطيع أن أسيطر عليها .. كالأفعى جدائلي تلتفت حولي ..
وأخيرا لم أجد أي مخرج لمشكلتي العويصة هذه حتى جلست القرفصاء أمامها وبادلتني بابتسامتها الكاتمة الصوت وها هي  تدوي في أذناي و تخترق طبلة أذناي..
ومررت أناملها وأسنان المشط في فروه راسي أخيرا ..وجدلتهما على طريقتها القروية ..لم تكن تشبه كل الأنامل ..ولم تمر أيام عدة حتى  أرقدني المرض
لأكثر من شهر في  الفراش وكاد أن يقضي علي وأنا أتقيأ الدم في أخر الأيام ..
 أجهشت والدتي وأختي الكبرى ..ظانين أن الموت سوف يأخذني منهم ..
وذهبت تلك الأيام ولم اسمح لأحد أن يفك  ضفائري الحائرة  اللتان تحملان رائحة الحناء في ثناياهما ..
 
 
في شارعنا الذي بقي على حاله توقفت السيارة بنا أمام منزلنا ..
ففي لحظات الخوف تلتحم القوة معا ..وابدأ أنا في التحدي من اجل البقاء ..


أسير بأقدامي باتجاه منزلنا بعد أن تخلصت من التاكسي وضيق المقعد ..منزلي الذي يقع في إحدى الأحياء في القامشلي ..أمام باب المنزل انتظر برهة ..
في داخلي تثور معدتي وتتسارع دقات قلبي
مازال الباب يحمل اللون الفيروزي الذي تصدئ هنا وهناك والأمطار في الماضي جعلت اللون باهتا ..لكنني مازلت اعرف انه منزلنا ومن وراء هذا الباب كانت طفولتي وأشياء أخرى..
 
الجميع ينتظرني دموع تتطاير في الهواء في وجوههم لم أرى ذلك الشوق والانتظار كما أنتظرت أنا ... وأنا عبثا ابحث عن أمي في أركان المنزل
وضعت الحقائب وذهبت في صمتي وأنا امتص وجعي إلى حي قدور بك حيث ترقد أمي في مثواها الأخير ..


في الأسبوع الأول من إقامتي هنا كل الصور والأشياء من حولي تحمل لونا داكنا وفاترا ..تجعلني حزينة أكثر مما أريده ..وكأنني داخل فلم ابيض واسود ..لاشيء غير هذه الألوان الرمادية
حتى مع الأيام التي أقمتها هنا تغيرت رويدا رويدا وأصبحت عيناي تتعود على هذه الألوان الصامتة ..حتى الجدران بدت لي متصدعة كثيرا في كل المنازل التي تطل عيناي عليها ..
 
 الصور من حولي   تبدو غير مألوفة حتى تقوم بعملية   أعادة الالوان التي اختفت في حياتي العملية ..بؤبؤتي  أستقبلت كل هذا الكم الهائل  من الفروق ....التي خلفتها لي سنين الفراق ..

أسلاك الكهرباء المتدلية بشكل عشوائي على الحائط هنا وهناك

مدينتي ها أنا أعود إليك بعد سنين طويلة كل مرة أعود وقد تغير فيك شيئا طفيفا ربما هذه الأبنية التي تكاثرت وأصبحت طويلة وحولت الطين إلى اسمنت ..
من تشققات الأرض المتعطشة للمطر الذي اشتقت إليه أعود أنا وأنا كلي لهفة وشوق مثلك إلى المطر؟؟

أتسلل الدرج الذي يأخذني إلى سطح منزلنا أدور بجسدي أراقب الأسطح الأخرى في هذه المدينة ..إنها أسطح شرقية لم يتعود إلى النظام ويحب الفوضى ويعشقها
ها هي الأسطح هنا متشابكة بأسطحها وتلك الصحون التي أدخلت العالم داخل بيوته . الثياب المعلقة تفوح منها رائحة المساحيق التي تتطاير بسرعة في فضاءات مدينتها
هذه هي الأسطح المعقدة هي ذاتها متشابكة داخل بيوتها..
 
أراقب الجوامع والكنائس ..هذا الهلال وذلك الصليب الشامخ ..حمامات بيضاء تحلق فوقهما بدون أن تميز من تحب أكثر من الأخر..المهم هو أن تستمتع بالحوم فوقهما
أذان المغرب تخترق أذني واشعر بروح الله إلى جانبي ..وانتظر أن ترن أجراس الكنائس لا أعرف أن مريم العذراء مازالت تصلي لنا جميعا بالرغم من أخطائنا الكثيرة ..كيف يستطيع
الله أن يتحمل آثامنا وغربة أفكارنا ويسامحنا على أعمالنا الشريرة !!؟؟
 
 
من هذا العلو استرجع ذكريات مضت مع الأيام لكني  لازلت احملها في ثنايا ذاكرتي   كجزء مني ..
 
للشرق رائحة أخرى ..لمدينتي رائحة أخرى ..رائحة تشدك بالرغم من كل شيء ..اقترب من سور السطح واهرب من جسدي من أمي  التي كانت ترمقني بنظرات  مخيبة لأمالها في ذلك الوقت .
انه حبيبي الذي حفر لي في تلك الأيام اسمي على حائط جارتنا الأشورية الذي يقابل باب منزلنا  أنظر إلى طلاسم صنعت من اجلي لا اعرف انه بالقرب من منزلنا المغلق في وجه الحب ..والأمل ..ومفتوح على مصراعيه للحزن والصمت والتأمل على طريقة الأصنام التي لا روح فيها ..
 
 
 
فوق سطح منزلنا أتنفس الصعداء من جديد مع غروب الشمس ..أقف في صمتي وأعيد نسائم اكسرها على وجنتي رغما عنها ..فأشعر برطوبة عذبة تتدحرج على خداي وتملئني بزهور صغيرة ربيعة ..ناعمة..تنبت لتموت بعد أيام عدة ..وتعيد الكرة من جديد كعادة الطبيعة ..

 ارتاح بعض الوقت من أفكاري التي  تهاجمني

زوجة أخي تسللت إلى السطح وأنا مازلت ممزوجة مع هذه الأفق البنفسجية التي تبعدني عن هذا الملل ..وأحملق إلى البعيد أراقب تلك السطوح المتشابكة بكثافة هنا وهناك .......
كأسان من الشاي وبعض من المكسرات أحضرتها لي
على عادة هذه المدينة التي تكثر من أكل البزور والمكسرات والشاي في جلساتهم الكثيرة هاربين من الفراغ الذي لا يعني لهم أي شيء ولا يعرفون مصدره ولا يقاومونه ..أشياء كثيرة تركتها هنا
في مدينتي ..منها رغبة مني ومنها رغم عني بدون أن اعرف ...!!
 
زوجة أخي امرأة ككل النساء الشرقيات تمد ساقيها على السجادة التي جلبتها معها إلى السطح ..وبدأت تسرد لي قصص الحارة التي لم أتابعها بسبب غيابي كل هذه السنين ..
تحاول أن تثير اهتمامي وان تجذبني من خلال سردها للحكايات ..أحاديث مثيرة للعجب والاستغراب .. وتنتظرني أن ابدي رأي فيها ..  مرارا كنت لها مصدر الدهشة لأنني انظر إليها بطريقة أخرى ..طريقة وسعت لي أفق التفكير  هناك في برلين ..

.لذلك أحاول أن أثير دهشتها أحيانا بصمتي وتوسيع حدقات عيني ..وأحيانا أحاول أن الامس أحاسيسها التي تثير قصصها الشفقة فاشهق من أعماقي
واقول .اها اها اووووووه وأحاول أن أغمض عيناي نصف غمضة كالقطط وأحيانا أعصر خلايا عيناي وأحاول أن تنزل دمعتين فقط بعد محاولات عصيبة كدموع التماسيح لأكون مع قصصها التي تحمل لقب الشفقة
وأحيانا أخرى أعود لأضحك ..مع أنني أفضل  ابتسامة صغيرة تعبر  عن فرحي الكبير ..فاشعر بعد ذك بتشنج في أسفل البطن لأنني أرغمت عضلات البطن على شيء غير مرغوب به ..
بعد كل هذه الأحاديث لم أتوصل إلى هدف من كل هذه القصص لأنها متكررة في هذا المجتمع ويحبون الشفقة من الآخرين بدون أن يفعلوا لأنفسهم أي شيء يجعلهم في قمة الحياة بدلا أن يكونوا على هامشها ..
إنها قصص تشبه القصص الصغيرة التي تطبع في كتب صغيرة للجيب ..إنها كثيرة ولكن للمستهلك الرخيص ..
أمعن النظر إليها ..عالمها لا يحوي على أشياء غامضة كالتي احملها في داخلي ..واحسده لسذاجتها المفرطة ...
 
يتجمع حولي إخوتي مع أولادهم أصغي الى همومهم الصغيرة والكبيرة وما أكثرها ..لكنها جميعا تعالج ماديا ..يحدثونني عنها و بالنسبة لهم و كأنني نبيا احمل رسائل تبشيرية جديدة ..
بل إنني نبي احمل لهم أكياسا واطنانا من المال الذي ينتهي بأقل من ثانية بسرعة ضوئية طبعا ..
إنني السوبر مان ...القادم من أوربا أحمل معي أكياس  مليئة بالهدايا والأشياء الجميلة التي يحلمون بها ..بدون أن يتعبون هم في جعل الأشياء من حولهم جميلة ..
 برلين  كم أشتقت أن اسير مرة أخرى في شوارعك التي اصبحت لي  وطني ثانيا .. فهي تحمل جسدي ومشاعري وهمومي وتحترمني كإنسانة  ..ولا يهم من أين أتيت ؟؟
 
ما هو الوطن يا ترى ؟؟مدينة ولدت فيها وقذفتك إالى البعيد رغما عنك ..وتستقبلك  بعباءات سوداء تلفها حول جسدك ..؟؟
أم مدينة تحملك على كفيها مهما كان جرحك كبيرا ..؟؟
 
في جلساتهم يكثرون  على مسمعي الحديث عن أسعار اليورو .. وأشعر أنني في بورصة عالمية وليس بينهم  والأكثر من ذلك حين تكون بينهم فيلقون عليك الكلام بشكل غير مباشر كان يتحدثون فيما بينهم بدون أن ينظرون إليك  يتحدثون عن أن فلان وعلان صنعوا لأهاليهم قصور الفسيفساء وناطحات السحاب ومدن ومعالم جديدة في الحارة المجاورة ......حتى  الآن  لا أعرف سر البورصة وقوانينها .. ؟؟ يعرفونها أكثر مني ... أصوات كثيرة تتجه نحوي ..تصيب جسدي المستسلم لرائحة مدينتي ..وأنا انهش في أتربتها وألطخ أناملي بلونها وارسم على وجهي طفولة لم افطم منها بعد ..
نفس الشعور الذي يرافقني ككل مرة مثل تلك الاتصالات التي ادفع فاتورتها لأحزن أكثر ..نفس الشعور ينتابني بينهم أنه السقوط  من الأعالي ..
 
يجعلونني أن احلم بأن أكون مليونيرة حالما أعود إلى برلين وانسي كل شيء سوى أن اهتم بهمومهم وابعث لهم كل ما أجنيه من عملي هناك ولا احد  يراقب  عيوني التي  أصابتها الحول من طلباتهم ورغباتهم المتشابكة كأسطحهم التي ينامون فوقها ..
 
 كنت السبب في وجع الآسنان والصداع والشقيقة والكلسترول والتسمم الغذائي ..كنت السبب في ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وتجمع القمامة في الشوارع ..كنت السبب في حالات الآغماء ..والاسهال وعسر الولادة
حتى تجاعيدهم  أنا التي سببتها .. ..أنا السبب في كل تعاسة يومية يواجهونها ..والشفاه المتدلية إلى الأسفل  ..عندما يشاهدونني توحي أنهم لم يتوقعوا هذه المفاجآت عند استقبالي وخيبة الأمل  التي زرعتها في وجوههم
 ناسين أن حياتهم كانت دائما خيبات أمل لا يتحملون هم مسؤوليتها ..لابد من شخص ثان  وثالث في مجتمعنا يخلق  الأشياء المزعجة التي تحدث لهم ..هكذا هي تربيتهم, وهكذا هم وسوف يظلون حتى النهاية
وتتبادلتها الأجيال ..كل الأشياء الغير مستحبة هي من عمل الشيطان ولكن ينسون أن الشيطان يكبر في نفوسنا ونحن الذي نزرعه من حولنا 
لكن الأوجاع تتلاشى بعد أن أمدهم بكمشه من اليورو ..وكان يداي ساحرة  سبحان الخالق ومغير الاحوال ..حتى التجاعيد تختفي رويدا ..
 
أشعر بالكآبة أكثر وشيء في داخلي يلتهب ويحترق ..أود أن أجهش بالبكاء بعيدا من هنا ..كم أود أن أسير في حقول حيث البطيخ الأحمر يكبر مع الشمس أو اكسر البطيخ فوق رأسي ..وادخل راسي داخل فجوتها...
وأعدو بأتجاه المغيب حيث الأفق تعانق الأبعاد ..
 
.كم مرة أسند رأسي إلى نافذة المترو وأتأمل الناس من حولي من خلال الزجاج كي لا أثير فضولهم ..وكم مرة أزحت الملل مني بقراءة كتاب يأخذني معه الى أناس لا أعرفهم
أواسيهم وانتظر قدوم أحبتهم بدون أن يعرفوا من أنا ..وماذا انتظر ..
كم مرة بللني المطر في شوارع برلين ..وكم مرة استقبلت الليل خائفة في داخلي من أن تحدث أشياء مرعبة وأكون لوحدي أعيش مع كوابيس الأحلام التي تفاجئني وتعبر عن خوفي الباطني ..
 
كم مرة أراقب نوافذ الآخرين عندما اجلس في مكان عام في برلين ..انتظر اللاشيء ..أراقب أضواء المنازل واسمع ضحكات الضيوف وهمساتهم التي تأتي إلي مع الريح ..كم كنت احسدهم ..
واحسد ذلك الدفء الذي لا يشعرون به ..فقط فاقد الشيء يعرف طعم الأشياء التي لا يحصل عليها ..وينتظرها ..
لا احد في مدينتي أراد أن يسبح في أعماقي وكيف هي حياتي هناك ..كيف استطيع كإمراة  أن أتي بكل هذه النقود ..أحيانا أفكر ..أن هذا الشرق خبيث جدا وأنهم يصنعون المعجزات الكذابة
إنهم لا يعرفون الله  ..لا وجود لله في الشرق ..
 
مازلت هنا ومازالت إجازتي في ربع بدايتها ومازلت أنا ذلك الطائر المسافر في عالمين ...هناك في برلين أعيش في عالمين ولكن  في جسد امرأة  واحدة ...جسد يستمر ويعمل من اجل البقاء والروتين البرليني
وجسد يعود دائما من حيث جاء ...مستمر هو الأخر في طرقه البعيدة وكلما خطى خطواته  أصبحت المسافات أطول وأطول ...
 
في القامشلي اشعر بغربة موجشة وموجعة  ونزيف دامي وكأنني في حرب... أكثر من هنا ..
في هذه الحياة عثرت على اشياء كثيرة ..اشياء لها مضاداتها الحيوية .. ان تكون قاتلا أو مقتولا ...أن تختار الحب أو الكراهية ..الحياة أو الموت وانت حي ...


حتى أحلامي التي تأتي إلي خلسة ككل مرة ...  طرق بعيدة... أعدو فيها كأرنب بري يبحث عن مأوى له ..

أو ذئب جائع يبحث عن وليمة... ليسد فيها جوع سنين طويلة ..

 
نارين عباس
برلين
2012

التعليق على الموضوع

ملاحظة: يُرجى كتابة أيميل حقيقي عند أرسال التعليقات. الايميل المستخدم يبقى لدينا فقط و لا يتم نشره مع التعليق. نستخدام قاعدة بيانات أوتوماتيكية تحذف فيها التعليقات التي تحمل الكلمات البذيئة و السب لذا يرجى الالتزام بقوانين المخاطبة اللائقة كي لا تحذف تعليقاتكم